11:42 ص - 16 أبريل 2026
لقد غيَّرت الحرب الإيرانية، على نحوٍ لا لبس فيه، طبيعة الديناميات الإقليمية في الشرق الأوسط. ومع مُضيّ إيران في إستراتيجيتها الرامية إلى تنويع مسارات التصعيد لزيادة كُلفة الحرب، أضرَّت وبشدَّة بما أُنجِز خلال السنوات الأخيرة من تقدُّمٍ في إنشاء آليات وقنوات بين إيران ودول الخليج لخفض مستوى انعدام الثقة والشكوك المُتبادَلة بين الطرفين. وبقِيَ انعدام الثقة بين إيران ودول الخليج قائمًا منذ ثورة عام 1979م، مستندًا إلى الأُسُس الأيديولوجية لـ«الجمهورية الإيرانية»، ومعزَّزًا بخطابها الأزلي وتهديداتها المتكرِّرة لدول المنطقة. كما يعكس نهْج إيران إزاء مفاوضات وقْف إطلاق النار الأخيرة أولويةً واضحة لمنطق الكسب الإستراتيجي، على حساب المساعي الجادَّة لخفض التصعيد، وهو ما يزيد من تعقيد موقعها في المنطقة. وقد أدَّت موجات التصعيد الأخيرة إلى تعميق الشكوك حيال إيران بصورة أكبر، بما سيؤثِّر في تشكيل الديناميات الإقليمية لسنوات مقبلة.
وقد أكَّد التنديد الجماعي الصادر عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، وجود إجماع على أنَّ سلوك إيران قد تجاوز كلَّ الخطوط الحمراء. ويُنظَر إلى هذا السلوك على أنَّه طعنةٌ في الظهر في مواجهة المحاولات السابقة، التي بذلتها دول الخليج للوساطة وخفْض التوتُّر بين الولايات المتحدة وإيران. وفي بيان نُشِرَ مؤخَّرًا، جدَّد مجلس التعاون تأكيد حقّه، بموجب المادَّة 51 من ميثاق الأُمم المتحدة، في اتّخاذ ما يلزم من تدابيرٍ دفاعية جماعية أو فردية عن النفس لحماية سيادته وأمنه. وتكتسب هذه المسألة أهمِّية خاصَّة؛ لأنَّ دول الخليج كثيرًا ما اختلفت فيما بينها بشأن كيفية التعامل مع إيران، ومدى إمكان استيعاب المصالح الإيرانية ضمن الإطار الإقليمي. بيْد أنَّ الهجمات الأخيرة قلَّصت هذه الخلافات، وأفضت إلى تأكيدٍ أقُوى لوحدة إدراك التهديد داخل المجلس إزاء دور إيران في المنطقة.
وكما ذُكِر سابقًا، فإنَّ جوهر هذه القضية يتمثَّل في تآكُل الثقة؛ فالثقة في العلاقات الدولية ترتبط بالالتزام بالقواعد والأعراف. واستهداف إيران للبِنية التحتية المدنية، بما في ذلك الموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة، شكَّل سابقةً خطيرة عبر انتهاكٍ صارخ للقوانين الدولية. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإنَّ هذا لا يعني مجرَّد تصعيد، بل إعادة تعريف لقواعد اللعبة؛ فقد ظلَّت البِنية التحتية المدنية والحيوية، إلى حدٍّ ما، بمنأى عن المواجهة المباشرة، أمّا استهدافها الآن فيُشير إلى أنَّ أيَّ منشأة لم تعُد خارج نطاق الاستهداف بالنسبة للنظام الإيراني. وتزداد خطورة ذلك في ضوء تأكيد دول الخليج، في مناسبات متعدِّدة، أَّنها لن تسمح لقُوى خارجية باستخدام أراضيها لشنّ هجمات على إيران. وإضافة إلى ذلك، فعلى الرغم من الاعتذارات الأولية، التي قدَّمها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن هذا الهجمات لدول الخليج، استمرَّت الضربات؛ الأمر الذي أثار شكوكًا بشأن نيّات إيران. ومن المهم الإشارة إلى أنَّ إيران استهدفت دول الخليج أكثر ممّا استهدفت إسرائيل، وهذا ما أكَّدته التقارير، إذ يُقدَّر نحو 83% من هجماتها الصاروخية وهجماتها بالطائرات المسيَّرة وُجّهت إلى دول الخليج، مقابل 17% فقط استهدفت إسرائيل.
وستبقى المخاوف من شبكات الوكلاء الإيرانية في المنطقة عاملًا رئيسيًا في تشكيل الديناميات المقبلة؛ فالهجمات على خطوط الملاحة، لا سيّما قُرب المضائق الحيوية مثل باب المندب، تعزِّز الرؤية القائلة إنَّ إستراتيجية إيران بات من الصعب احتواؤها عبر الردع التقليدي. وبنا
